Academic Dr.Prof. Salim Saad Researches-أبحاث
- 1 كتاب "آلة الكمان - ماضيها وحاضرها " ( 1987 )
- 2 بحث بعنوان " ألموسيقى عقل وحضارة - ماهيتها , تاريخها وغايتها " - مجلة " أوراق جامعية " شتاء 1999
- 3 بحث " آلة العود عندالعرب و سائر الشعوب الشرقية " صدر في مجلة أوراق جامعية -عدد حزيران 1998
- 4 بحث : " مدخل إلى علم و بحث و تشريح الصوت البشري " صدر في مجلة الحكمة - عدد كانون الأول 1998 .
- 5 بحث : " ألموسيقى ألأرمنية وجذورها في الموسيقى ألشرقية " - أطروحة الدكتوراه إيلول 1986
- 6 بحث : "ألإحتكاك ألثقافي بين ألعرب و الأرمن في ألقرنين 19 و20 " - مجلة صبا الخير 1987
- 7 بحث : " من الصوت الغنائي إلى الصوت التعبيري " - مجلة " أوراق جامعية " العدد 21 ، السنة الثامنة عام 2000
- 8 بحث : " آلة الكمان The Violin ، إبن الربابة " - مجلة القافلة العدد 6 من المجلد 56 نوفمبر 2007
- 9 بحث : " آلة الكمان The Violin " - مجلة أوراق جامعية العدد 31 عام 2009 النصف الأول
- 10 نقد فني علمي بعنوان " نموذج جديد من الفلسفة و المونولوج السردي " - عمل مسرحي بعنوان " حلم رجل مضحك "
للكاتب الروسي فيودور دستويفسكي ( ألقرن التاسع عشر ) ، من إخراج الدكتور طلال الدرجاني مجلة فكر العدد 103 نيسان
2009
- 11 كتاب " الصوت البشري - آلة عبقرية " ( في العام 2000 )
- 12 عمل نقدي أدبي في شهر آب 2006 من 20 صفحة " عرض و تحليل و تقييم " لكتاب، صادر في العام 2005 في باريس
باللغة الفرنسية بعنوان " فينيقي من الزمن الحديث " للدكتور جوزيف بطرس حرب
- 13 محاضرة بموضوع " الموسيقى العلاجية " Music Therapy في كلية الصحة لجامعة البلمند بتاريخ 31 أيار 2007معطياً
نتائج علمية و تطبيقية جديدة
– قيد الإعداد :
- بحث بعنوان " ألموسيقى في لبنان بين التخصص و المهنة في مدار العولمة - تاريخ و واقع " ( 2002 )
- بحث بعنوان " حماية الإبداع الحضاري في مدار العولمة " ( 2003 )
- بحث بعنوان " ألموسيقى و السياسة " بالمقارنة بين الغرب و الشرق
- جرى نقل علمي و اقتباس عنه من كتابه " الصوت البشري آلة عبقرية " الصادر في العام 2000 و المسجل في وزارة الإقتصاد لحماية الملكية الفكرية و الأدبية ، و ذلك النقل حصل في منشورات المعهد الوطني العالي للموسيقى ، في مقدمة لكتاب بعنوان " ألغناء الشرق – عربي " الصادر في العام 2005 من إعداد و تأليف لور عبس الحداد ، و قد جرى النقل من ص 5 حتى ص 45 من كتاب " ألصوت البشري آلة عبقرية " للدكتور سليم سعد و الناقل يدعى ألوليد غلمية بحسب توقيعه في نهاية المقدمة ، دون ذكر اي مرجع . و قد انكشف ذلك في ك1 2009 .
=====================================================
من أبحاث البروفسور الدكتور سليم سعد
آلة الكمان
نشر في مجلة " أوراق جامعية " – ألجامعة اللبنانية ، خريف 2009
ماهيتها
تبدو آلة الكمان بشكلها الحالي العصري المعروف عريقة ، قديمة و عميقة الجذور في تاريخ البشرية باشكال سابقة مختلفة رافقت مختلف العصور بتنوعها و اختلافاتها الحضارية . كما تبدو الكمان أهم آلة في التعبير الصوتي و تمتاز بنوع خامتها الصادرة بتقنية جد متميزة انفرد بها هي بالذات و الآلات ذوي القربى و الصلات العائلية منها ، أي آلات السحب بالقوس ( Viols) . و أهمها : ألكمان الصداح Violon ، ألكمان الوسطي ألآلتو Viola ، ألكمان الجهير Violoncello و الكمان المنخفض Contre Basse .
ماهية الكمان تكاد تغدو أحجية لم يفك رموزها أحد بعد ، لولا بعض التحليلات المرتكزة على المنطق ، التي راحت تدق ثوابت حقيقتها قاصدة الأساس المصدري لها . والصعوبة هنا بمكان أنها تحدث العجب لدى الإنسان المتعرف على حقيقة إصدار الصوت في هذه الآلة . إذ أن احتكاك شعر الخيل على وتر من الجلد أو المعدن ينتج جمالية صوتية من آلة الكمان لا مثيل لها و ليس ما يضاهيها روعة و تأثيراً بين أصوات الآلات الموسيقية على الإطلاق .
تتصف الكمان بنوعية صوتها الجميل قبل أن يجري وصفها من ناحية الصناعة أو الحضن و كيفية العزف عليها . و تمتاز إذ ذاك هذه الآلة بعدة صفات مرموقة حيث تنفرد باثنتين منها ، هما :
1 – طريقة التصويت
2 – ألحضن بين اليدين و الصدر الأيسر
طريقة التصويت
يصدر صوت الكمان بفعل احتكاك شعر الخيل على وتر من الجلد ( مصران الحيوانات ) أو المعدن ( فولاذ ، أو سبيكة معينة ، أو لفافة معدنية على القطن أو الجلد ) . وسبب هذا الإصدار الصوتي هي علاقة التصاق بين الجسمين المذكورين أعلاه ، حيث أن شعر الخيل خشن وله أظافر أو أسنان أو تضاريس صغيرة ، أو بالأحرى إنه متعرج السياق في طوله و ليس سوياً ناعماً ، ما يجعله يتعلق بالوتر بشكل غير منظور حيث يسير على الوتر بفعل الدفع والسحب باليد البشرية .
هذا النوع من الأصوات الآلاتية يبدو مميزاً بتقنية صدوره من ناحية ، و بجماليته الخارقة من ناحية أخرى .و الجمال في هذا الصوت هو تقاربه من الصوت البشري من ناحيتين أساسيتين :
1 – ألخامة
2 – الإمتداد الزمني
إن الخامة الصوتية لدى الإنسان تصدر من وترين في الحنجرة و كذلك الخامة الصوتية لدى آلة الكمان هي صادرة بدورها عن اهتزاز الوتر . وتر الحنجرية البشرية هو من الجلد و كذلك وتر الكمان ، هذا ما يجعل آلة الكمان شبيهة بصوتها بصوت الإنسان ، من ناحية الخامة ، أما من ناحية الإمتداد الصوتي الزمني فيتشابه الصوتان و هذا ما يزيد على قدرات آلة الكمان التي تفوق بها كافة الآلات الموسيقية الأخرى على الإطلاق .
هناك بعض الآلات الموسيقية التي تشبه الصوت البشري من ناحية الإمتداد الصوتي مثل الناي ، إذ أنه يتشبه بالصوت البشري ببعض جمالياته و ليس بخامته ، و كذلك كافة آلات النفخ ، و تنحصر جمالية التشابه بالخامة مع الصوت البشري بآلة الكمان دون غيرها بين كل الآلات الموسيقية على الإطلاق .
هكذا فإن آلة الكمان تمتاز عن غيرها من الآلات الموسيقية بالخامة التي تشبه خامة الصوت البشري و بالمد الصوتي الذي يشبهه أيضاً . و تبقى هذه الآلة متميزة حصرياً بخصوصيات صوتية و فنية لا تقاربها بها أية آلة موسيقية أخرى . و عليه فإن هذه الآلة تعطي صوتها بإحساس العازف الذي يلاصق بشعوره خصوصياتها الصوتية عبر اليد اليمنى التي تدفع و تجر القوس على أوتارها . و هنا يجدر التأكيد بأن العازف الكماني يتميز عن عازف كماني آخر فقط بإحساسه عبر القوى الضغطية بالقوس المتحرك تحت قوى اليد اليمنى لديه . و هكذا عرف عن ما يسمى بامتلاك القوس من العازف ، حيث أن العازف يمتاز عن زميل له بشساعة امتلاك القوس من الناحية التقنية و بإحساسه الموسيقي ، من ناحية ثانية
حضن الكمان بين اليدين و الصدر الأيسر
يخال للناظر إلى عازفي الكمان أن الآلة ترتكز على الكتف الأيسر بينما الحقيقة هي أنها ترتكز على الصدر الإيسر وعلى عظمة التراق اليسرى ( Clavicula ) ، وتلامس الكتف من حين إلى آخر . و ما يثبت هذه الحقيقة هو إحساس العازفين بذاتهم حيث يتعذر عليهم تحريك اليد اليسرى و أصابعها بطلاقة حين يرتفع الكتف الإيسر ليسند الآلة ، و إذا نقض أحد العازفين هذه النظرية يكون من النوعية الوسطية و ليس محترفاً ، إذ أن الخبرات العالمية أقرت بما أكدناه و لذلك يضع معظم العازفن مخدة ( Coussin ) لإبعاد الكمان عن الكتف و حفظها في منطقة التحكم الكامل للعازف ، أي فوق الصدر الأيسر . و ندعم تأكيدنا بالعازفين المهرة الذين لا يستعينون بالمخدة و يقومون بعزف أصعب المعزوفات العالمية ، كما كانت الحال في القرون السابع عشر ، الثامن عشر و التاسع عشر . حيث في القرن العشرين و بالتحديد في النصف الثاني منه أصبحت المخدة سلعة تجارية من ناحية ، و وسيلة مريحة للمبتدئين بالتعلم على الكمان من ناحية ثانية.
مما لا شك فيه أن القول بأن الكمان ترتكز على الكتف الأيسر هو حقيقي من ناحية المنظر الخارجي ، أما الواقع فيؤكد إبعاد الكمان و رفعها عن الكتف الأيسر . خاصة وأن الكمان هي من جد اسمه الرباب الذي كان و ما زال يوضع على الرجل أو الساق اليمنى للعزف عليه ، و راح ينتقل تدريجياً من أسفل إلى أعلى حتى اعتلى الصدر الأيسر للعازف مثل الكمان بصورتها الحالية . و لا مجال للغوص في شرح حيثيات و أسباب هذا التطور حيث نكتفي بالقول بأن الجاذب الكبير لصوت الرباب راح يختصر المسافة بين الآلة و الأذن من ناحية و بينها وبين القلب ، مركز الإحساس ، من ناحية ثانية .
أليد اليمنى للعازف تعمل فوق الآلة متجهة من اليمين إلى اليسار بموقعها اضطراراً لتصدر الصوت الكامل منها بالقوس . دور اليد اليمنى أساسي في لعزف على الكمان ولا يمكن البدء إلا به ، و تتخذ اليد المنى حريتها بالتحرك من حرية اليد اليسر ، و مصدر الحرية لليدين هو استقرار الكتفين ، حيث يتوتر الكتف الأيمن إذا توتر الكتف الأيسر وبالتالي تتوتر اليد اليمنى إذا توترت اليسرى . و هذا ما يؤكد ما قلناه في الفقرة السابقة حيث على الكتف الأيسر أن يكون حران من أعباء حضن الكمان . و من يتقن حضن الكمان على الصدر لأيسر يتقن إصدار الصوت الكامل من الآلة باليد اليمنى و ما خالف ذلك هو من أنواع الأمراض العزفية على هذه الآلة . و هذا ما يجعلنا نعتبر أن عازفي الكان كثيرون و يصنفون من معاهد تخرجهم بصفات تناسب قدرة كل منهما في الأداء على هذه الآلة . فالعازف القدير المتحكم بالتصرف العزفي هو من يلقب بـ " مؤدي حفلات " و من يقل عنه في القدرة العزفية يلقب بالتراتبية التنازلية كما يلي بدءً من الصفة العليا المذكورة أعلاه :1 – مؤدي حفلات أو عازف حفلات ( Consert Performer ) 2 -عازف منفرد ( Soloist ) ، 3 - عازف منفرد لموسيقى الغرفة ( Chamber music soloist ، 4 - عازف أوركسترالي منفرد (Orchestra soloist) ، 5 - عازف أوركسترالي ( Orchestrant) .
هذا التصنيف يثبت درجات التحكم بالآلة من العازف الكامل إلى الأقل منه برتب مختلفة ، مع العلم أن العزف على الكمان يحتاج إلى تمرينات دائمة عند العازف القدير وكلما علا شأن العازف بقدرته التحكمية كلما ازدادت ضرورات تمرسه و مثابرته على التمرينات العزفية اليومية المنظمة ، و كلما قل شأن العازف كلما أصبحت ضرورة إجراء التمرينات غير مفروضة ، و يستمرالعازفون بعملهم على مختلف المستويات .
خصوصيات حضن الكمان و صعوباتها
تتميز الكمان بخصوصيات حضنها الصعب التي تجعلها الآلة الموسيقية الأصعب في العالم و ذات الأدب التأليفي الأوسع على الإطلاق . و اختصاراً للموضوع نؤكد أن حضن الكمان يفرض أوضاعاً جسدية لليدين و الكتفين و اليد اليسري ، منها ما يألفه الإنسان و يؤديه في حياته العامة و منها ما لا يقوم به إلا للعزف على آلة الكمان . و ندرج أهم الحركات غير المألوفة : 1 – وضع الألة على الصدر الأيسر و العزف عليها باليد اليمنى ، 1 – العزف برفع اليدين عن وضعهما الحركي المألوف ، 3 – صغر الزند الذي تلعب عليه أصابع اليد اليسرى ، 4 – وضع اليد اليسرى المعاكس لحركتها الطبيعية ، 5 – إصدار الصوت بجر القوس على الوتر .
هذه الصعوبات لا توجد مثلاً في التعاطي مع آلة البيانو أو العود أو الغيتار أو الناي أو أية آلة أخرى . لذلك فإن العزف على الكمان يستغرق زمناً أطول بكثير منه في التعلم على أية آلة أخرى ، إذ أن التآلف مع الأوضاع المذكورة يتطلب وقتاً مستقلاً عن وقت التعلم على العزف و الأداء الموسيقي على هذه الآلة . و نضيف إلى هذه الصعوبات واحدة تكمن في شساعة أدب الكمان التأليفي مما يجعل من المستحيل على أكبر العازفين أن يقوموا بأدائه سواء من ناحية الصعوبات التقنية أو من حيث طول الزمن اللازم لهذا الأداء والتحضيرات اللازمة له .
نشوء آلة الكمان
تختلف المراجع و التفسيرات لنشوء آلة الكمان من حيث المكان و الزمان من ناحية و من حيث التطور السيار المتنقل بين قارة و أخرى و بين بلد و آخر عبر الأزمنة التاريخية الغابرة التي لم تنحصر في بلد واحد أو حقبة حضارية واحدة . و الأمر الأكثر تعقيداً هو في تحديد منشأ الكمان و كيفية نشوئها ، حيث تختلف الآراء و التحليلات حول نشوئها في شبه الجزيرة العربية أو في الهند أو في أحد بلدان الشرق الأوسط القديم . و لهذا الأمر نظرة خاصة بنا ننشرها حصراً و لأول مرة عبر هذا البحث كجزء من عمل علمي كبير على طريق الإنجاز لاحقاً .
قال بعض الباحثين العرب و الأجانب و من بينهم المستشرقون أن آلة الكمان هي من أحفاد آلة الرباب و هم محقون في ذلك ، إلا أن تحديد النشوء في الزمان و المكان ما برح يبدو معضلة تاريخية علمية لا حل لها ، و كأنها حلقة مفقودة من ذاكرة الحضارات الشرقية ومن التاريخ المدوَّن . إنه لمن المؤكد لنا أنها ذهبت مع بقايا الأمويين العرب إلى الأندلس في عهد عبد الرحمن في القرن الميلادي الثامن بشكلها القديم ، أي بشكل الرباب ذات الوتر الواحد المصنوع من مصران الحيوان و ذات الصندوق الجلدي المشدود على الخشب . وهناك راحت تنتشر و تتطور بشكلها و تقنيتها و طرائق صناعتها حتى أصبحت على ما هي عليه اليوم و عرفت بآلة الكمان .
أما نحن فنقول أن سلاح القوس و النشَّاب هو الذي كان الملهم الأول لصناعة الرباب أو أسلافها ، إذ أن القوس يأتي باهتزاز سريع صامت بفعل انشد اده بشعر الخيل وهو من الخشب أو من أغصان الأشجار اللينة و القوية في آن . و هنا قد نعتبر أن نشوء أول قوس و نشاب ، كسلاح لاصطياد الوحوش و الحيوانات البرية كان قد حدث في بلاد ما بين النهرين ( العراق ) Mesopotamia أو في أرض الكنعانيين بما فها جبل لبنان . أو ، بحسب الترابط الحضاري الدائم بين بلاد ما بين النهرين و فينيقيا ( لبنان ) ، فإن القوس كان قد ظهر في المكانين بالتزامن بحسب التأثير الحضاري بين المنطقتين . و حيث أن الحيرة ( مدينة عراقية) كانت منفذاً للتبادل الحضاري بين شبه الجزيرة العربية و بلاد ما بين النهرين يمكننا اعتبار القوس عابراً من العراق إلى بلاد العرب الأولى . و بالتالي فإن لبنان ( فينيقيا ) هو أحد مصادر القوس المتوقعة أو كما نشير إليها بشبه تأكيد كامل ، استنادا إلى الوقائع التاريخية و التسلسل المنطقي لنشوء و انتشار القوس في المشرق العربي . و التأكيد يرتبط بإثبات مكان و زمان نشوء القوس تاريخياً .
و هنا يطرح السؤال ذاته عن كيفية صدور الصوت عن القوس و النشاب ؟ و نحن نجيب ملفتين الانتباه إلى الصوت الذي يصدره القوس عند انتفاضته من ناحية ، ورنين الوتر من ناحية ثانية ، مع العلم أن الآلات الوترية النقرية ، كالعود ، كانت في التطبيق الفني والشعبي عند العراقيين و العرب . إلا أن حادثة اكتشاف الصوت الصادر عن احتكاك شعر القوس بالوتر يعود إلى تلك الأزمان حيث ، و من قبيل الصدفة بحسب اعتقادنا ، قام صياد بمقاربة آلة وترية حيث التقى القوس بالوتر لأول مرة ، و كون ذلك جذاباً للأسماع شد صاحب الحادثة إلى توثيقه و تكرار جماليته ، فحصل هذا الفن الجديد الناتج عن آلة الرباب وأحفادها كالكمان ( Viols ) .
تاريخ آلة الكمان
بعد نشوئها ، راحت الكمان تزيد من جاذبيتها لأسماع البشر و تفيض عليها بجمالية صوتها . فكانت رباباً يرافق الرعاة في البراري و الوجهاء في احتفالاتهم و الأنبياء في ابتهالاتهم ، كما ورد في التوراة في سفر المزامير بشكل خاص ، و الشعراء في تسميع أشعارهم. و ليس هنالك من وقائع تاريخية تحدد أول ظهور لهذه الآلة ، بل هناك أخبار كثيرة عن حضورها في قلب الفن الموسيقي و المسموع بشكل عام . فكانت ترافق الغناء و القصائد الشعرية و كافة أنواع اللقاءات الإجتماعية من أعياد شعبية و أعراس و غيرها .
أن أول حالة توثيقية لحضور آلة الكمان حصلت في الأندلس و غرناطة ، أي في أوروبا عندما أدهشت أهلها بصوتها الشجي ، فحظت باهتمام كبير و اتسعت دائرة حضورها و انتشارها أكثر بكثير مما كانت عليه في السابق ، و قد أتت إلى أوروبا مع الفتوحات الإسلامية العربية . و هذه الآلة هي من ميزات الشرق الحضارية التي ارتكز عليها الغرب في تطوير صوت احتكاك شعر الخيل بالوتر . فاختراعها شرقي و تطورها أوروبي حيث شغلت العالم و غدت آلة يعتز كل من يتقن العزف عليها وكل من يستمع إليها .
كانت في باديء الأمر ذات وتر واحد ثم اثنين ثم ثلاثة و أربعة أوتار ، كما كانت ترتكز على قدم العازف ثم على ركبته و أخيراً على صدره الأيسر فوق الكتف الأيسر . هكذا أصبحت الربابة كماناً ، حيث يسمونها بلفظة فارسية الأصل " كمنجة " و معناها " ألقوس " ، و ما زالت تعرف بهذا الاسم لهذا اليوم في إيران و تركيا و العراق و بلدان القوقاس و أرمينيا و جورجيا و غيرها . و قد اختصر اسمها الشرقي من " كمنجة " إلى " كمان " للتمييز بين الآلة التي ترتكز على الركبة اليسرى و الأخرى التي ترتكز على الصدر الأيسر . أما في أوروبا فاسمها " فيولين " Violin و لها من عائلتها عدة آلات تختص بمجالات الصوت المختلفة بين حاد و وسطي و جهير و منخفض ، كما سبق و أوردنا .
و هكذا نعتبر الكمان آلة مشرقية المنشأ من المشرق العربي أو من سوريا( لبنان حيث نشأ فن الصيد بالقوس ) و بلاد ما بين النهرين بالتحديد ، انتشرت في شبه الجزيرة العربية عبر مدينة الحيرة العراقية و مدينة الحجاز العربية المتتاخمتين ، و وصلت إلى بلاد فارس عبر فتوحات ملكة أشور سميراميس التي احتلت القوقاس وصولاً إلى إيران وتركيا وذلك في منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد ، و انتقلت إلى أوروبا مع الإنتشار العربي عبر الفتوحات الإسلامية – الأموية في الأندلس – أسبانيا ، منذ القرن الميلادي الثامن .
أول آلة مشتقة من الرباب هي آلة الفيولا " Viola" و منها أربعة أنواع معروفة في القرون الوسطى ( Meddle Ages ) في أوروبا : فيولا الحب ( Viola D’amour) وكانت شعبية الانتشار و الاستعمال ، فيولا الاحتفالية ( Viola Pomposo ) وهي كبيرة الحجم و قوية الصوت و صنعت بطلب نوعي من المؤلف الموسيقي الشهير جان سيبستيان باخ سنة 1724 ، فيولا الركبة ( Viola Da Gamba ) و ترتكز على الركبة أو الساق الأعلى من الرجل اليسرى ، فيولا منخفضة ( Viola Baritone ) و قد عزف عليها الموسيقار جوزيف هايدن ( Joseph Hayden ) و كتب لها مقطوعات و معزوفات مميزة ، حيث كانت تحمل حتى سبعة أوتار . و من أهم المؤلفين الموسيقيين للفيولا جاكومو بوتشيني (Jacquamo Puccini ) و جول ماسنيه ( Jules Massenet.
و مع التطور الحضاري الكبير الذي حصل في أوروبا في عصر الإنبعاث Renaissance منذ القرن السابع عشر حتى بلغ ما يسمى بالعصر الكلاسيكي بدءً من القرن الثامن عشر حتي منتص القرن التاسع عشر تقريباً ، حيث تميزت و تميازت الفنون و غدت مصنفةً بحسب دورها الجمالي المؤثر في الإنسان و بالتالي في المجتمع ككل . فظهرت إذ ذاك المتطلبات التقنية و الفنية لكل فن على حدة و لكل أنواعه المختلفة . فنشأ في الغناء فن النوع الأوبرالي أي الغناء المحترف ، و في الآلات العزف الإحترافي الكلاسيكي ، مما جعل الفن لعبة الملوك و الحكام و ألأمراء و أبناء القصور و النبلاء إلى جانب انهماكهم في تطوير الإنسان و كافة ميدادين الحياة . فكان للفنانين أن يحظوا بالتصنيف أيضاً ليدخل أفضلهم إلى ميدان الفن بحسب متطلبات الملوك و الساسة و الحكام ، فكان التجديد الكبير في كل مفصل من مفاصل الفن .
و قد أصاب الرباب الحديث أي " فيولا " رواجاً كبيراً و راح يعيش تجربة التقدم بحسب متطلبات العصر آنذاك و الفن الرفيع الذي اكتنفه. فكان أن ازداد تذوق هذه الآلة من الناحية الجمالية و اقتراب خامتها من خامات الأصوات البشرية ، مما أدى إلى تطور واسع في الكتابة الموسيقية لهذه الآلة و عدلت بقياساتها الخارجية باتجاه التصغير و أضيف لها أوتاراً رقيقة و حادة الصوت . و لكي لا نطيل الشرح في ذلك نختصر الأمر بأن ندرج الدوزان الحالي للفيولا من الغليظ إلى الحاد : دو – صول – ري – لا ، وقد أضيف وتر " مي " من الأعلى فأصبحت ذات خمسة أوتار ما يستحيل تحقيقه ، فكان أن أزيل الوتر الأغلظ فيها " دو " فأصبحت بأوتار أربعة على الشكل التالي من الغليظ إلى الحاد : صول – ري – لا – مي . و هذا هو الشكل الجديد للفيولا الذي اتخذ إسم " كمان " Violin ، فغدت الفيولا للأصوات الوسطية و الكمان لتلك الحادة منها و بحسب التصنيف العالمي لطبقات الصوت كما يلي من الحاد إلى الغليظ : سوبرانو Soprano و ميتسو سوبرانو Mezzo Soprano للنساء بين البشر و للكمان Violin بين الآلات الوترية القوسية ، آلتو Alto للأولاد بين البشر وللفيولا Viola-Alto بين الآلات الوترية القوسية ، تينور و باريتون Tenor & Bariton لأصوات الرجال بين البشر و للكمان الجهير Violoncello بين الآلات الوترية القوسية ، باص Bass لأصوات الرجال الغليظة يقابلها كونترباص Contre Bass بين الآلات الوترية القوسية . و هكذا اكتملت آلة الكمان مع عصور التكامل الحضاري في أوروبا بعد انهيار العصور الحضارية الشرقية التي صدَّرت الرباب إلى أوروبا و كافة البلدان إبان أوج ازدهارها. وهذا تكامل في النمو الحضاري البشري حيث له السلف و الخلف و لكل منهما دوره و علاقته الوثيقة بالآخر.
صناعة الكمان
إتخذت آلة الكمان شكلها الأرقى و الأشمل في إيطاليا في عصر النهضة الأوروبية Classicism و كما تطورت كافة أنواع الفنون و تكاملت آنذاك بلغت صناعة آلة الكمان مستوىً عالٍ حتى غدا الجهابذة فقط يتجرأون القيام بصناعته . خاصة و أن صناعة الكمان تقوم على العمل اليدوي الشخصي للفنان و هي نوع من النحت المتكلم إذ تمتاز عن الحجر بتصويتها الرنيني وتجرى لها عملية دوزان ثابت قبل أن تجمع أخشابها المنحوتة و تحمل الأوتار .
تتكون الكمان من الرأس الذ يحمل الماتيح ، ثم الرقبة حيث ترتكز على كف اليد اليسرى ، ثم الزند أو الملمس حيث تتنقل أصابع اليد اليسرى ، ثم جسم الكمان الذي يتكون بدوره من الوجه و الظهر و الجوانب . تصنع آلات الكمان من خشب القيقب أو الإسفندان الذي يسمى بالفرنسية Erable و بالروسية Klon و بالإنجليزية Maple . ما عدا وجه الكمان الذي يصنع من خشب الشوح أو بعض الأنواع المشابهة له . و بين النوعين الخشبيين فارق كبير من حيث الصلابة حيث الإسفندان هو أصلب بكثير من الشوح ، إذ أن وجه الكمان يجعل الصوت أرخم و أقوى عند خروجه من الآلة لأنه من خشب الشوح .
خشبة الساق أو الملمس تصنع من خشب الأيبينوس الأسود اللون أو القاتم و هو النوع الأصلب و يتحمل تكرار ضغط الأصابع لسنين طويلة قبل أن تترك الأصابع ثغرات وتعرجات تصل إلى حد تعطيل العزف النظيف عند تفاقمها حيث يتم إصلاحها أو تغييرها .
تصنع الكمان مرحلياً و ليس مرة واحدة حيث تنحت أجزاؤها باستقلال تام عن بعضها البعض . قد يبدأ العمل بحفر و نحت الرأس و الرقبة من قطعة خشبية واحدة من الإسفندان ، يليها الظهر أو الغطاء السفلي للآلة من قطعة خشبية إسفندانية مستقلة أو من نصفين يجمعا بشكل فني يظهر توازناً في المنظر حول الخط النصفي الطولي الفاصل بينهما، تم تصنع الجوانب من ست قطع قشرية مستقلة : ثلاث من اليمين و ثلاث من اليسار . من ثم تجمع هذه القطع لتتركب منها الآلة بصندوقها الصوتي و جسمها الكامل.
تضاف أحياناً صناعات تطعيمية تزيينية للكمان فتصنع الشوارب و هي كناية عن خط محيطي متوازي مع تدوير شكل الكمان كما في الوجه كذلك في الظهر . كما يفتح في الوجه حرفا F متقابلان بتوازن تام من الشمال و اليمين و هما فتحتا خروج الصوت الأساسي. و تكون الكمان شبيهة بشكل الجسم الإناثي الرشيق حيث يبدو الصدر و الكتفين أقل عرضاً بقليل من الوركين . و قبل أن تجمع أجزاء الكمان يجري دوزان خشبة ظهرها على نوتةLa 440 Hz أو 220 Hz أو نوتة أخرى يختارها الصانع تكون أحد أسرار تصويتها الجميل .
صناعة الكمان في إيطاليا
كون الكمان أصبحت أعظم الآلات الموسيقية العالمية راح صانعو هذه الآلة يتبارون و يتنافسون على النوعية الفضلى من حيث التصويت الجميل أولاً و الشكل الخارجى ثانياً . و كما سبق و أشرنا فقد ازدهر الفن بكل ميادينه في أوروبا و كانت إيطاليا هي الأفعل في تطوير و انتشار و ارتقاء كافة أنواع الفنون . يسجل التاريخ أقدم الصناعات المحترفة للكمان في إيطاليا في بدايات القرن السادس عشر ، و بحسب ما تؤكده الكتابات الإيطالية فإن صناعة الكمان ازدهرت في مدينتي ( Brescia ) و كريمونا ( Cremone ) الإيطاليتين حيث كثرت أشجار الشوح و الإسفندان أو القيقب ، و قد انتشرت أشجار القيقب في مناطق جبال الآلب وفي مناطق ذلماثا في يوغوسلافيا .
و بالتناسب مع الازدهار القائم في أوروبا عموماً و في إيطاليا خصوصاً انتشرت آلة الكمان انتشاراً واسعاً و شملت بعازفيها الفئات الراقية من المجتمع و ازدادت متطلبات صناعتها ا راقية . و أصبح عدد معلمي صناعة الكمان آنذاك الأربعمائة محترفاً راحوا يتنافسون فيما بينهم في الجودة الصناعية و النوعية الصوتية العالية لآلة الكمان و بالتالي في الأسعار .
و عليه نشأت مدارس لصناعة الكمان امتازت بها المدن الإيطالية و عددها سبعة سميت بحسب المدن القائمة فيها : ألمدرسة البريشيانية نسبة لبريشيا Brescia ، ألكريمونية Cremone ، ألفينيسيانية Venezia ، ألميلانية Milan ، ألنيابولية Napoli ، ألرومية Rome ، ألفلورنسية Florence . و المدرسة تعني الأسلوب الخاص بصانعي الكمان في هذه أو تلك من المدن المذكورة و ليس بالضرورة نشوء مدرسة للتعليم التقني ، إذ أن التعلم في هذا الميدان اقتصر على الخبرة و الاقتباس و بالطريقة الشفوية Oral Traditions دون أي نوع من المناهج أو عقد الصفوف للتدريس .
من أهم معلمي صناعة الكمان في بريشيا Brescia آندريه آماتي ( 1535 – 1611 ) و ابناه أنطونيو و هيرونيم ( 1596 – 1684 ) و هذا الأخير تميز بآلاته الممتازة والباهظة الثمن ومن تلامذة هيرونيم آماتي : أنطونيو ستراديفاري الذي دعا ابنه هيرونيم الثاني ، أندريه غوارنيري و فراتشيسكو رودجاري ( 1645 – 1700 ) . و أصبح أنطونيو ستراديفاري أهم صانع للكمان في العالم حيث يبلغ سعر الآلة اليوم بين المليون و المليوني دولاراً أميركياً ، مع العلم أن أية آلة تعود لأحد صانعي الكمان في بريشيا لا يقل سعرها اليوم عن خمسين ألف دولار أميركي . و قد تطورت صناعة أنطونيو ستراديفاري للكمان على أربع مراحل في حياته حيث كان لكل مرحلة ميزاتها الصناعية و الفنية . و كان لأنطونيو ستراديفاري تلميذان هما ولداه : أوموبونو و فرانتشيسكو و ثالث يدعى كارل بيرغونتسي . و من أشهر مقتبسي صناعة الكمان عن انطونيو ستراديفاري : لورندسو غوادانيني ( 1695 – 1760 ) و جان باتيستا غوادانيني .
و من أهم صانعي الكمان في كريمونا Cremone : أندريه غوارنيري ( 1626 – 1698 ) ، بيوتر جوفاني غوارنيري ( 1655 – 1720 ) ، جوزيبي جوفاني باتيستا غوارنيري ( 1666 – 1739 ) و بارتلميو ديل جيزو غوارنيري ( 1698 – 1744 ) و قد نافست آلات هذا الأخير بجودتها الآلات التي صنعها أنطونيو ستراديفاري . و في فينيسيا ونابولي Venezia & Napoli نذكر سانتو سيرافينو ، بيترو غوارنيري ، دومينيكو مونتانيانو ( 1690 – 1750 ) و هو الأقوى في هذا الميدان في فينيسيا . كذلك نذكر ألكسندر غاليانو و ابناه نيكولا و جينيارو . أما في مدينة ميلانو Milane فنذكر باولو غارند شينو الذي من عائلته " غارند شينو نذكر كارلو جوزيبي ديستوري ( 1660 – 1710 ) وابنه باولو أنطونيو ديستوري ، كارلو فرديناندو ، ليندو ليفي و جواني باتيستا غوادانيني ( 1685 – 1770 ) .في فلورانسا و روما Florence & Rome نذكر من معلمي صناعة الكمان دافيد تيكلر ( 1666 – 1747 ) ، طونيني ( 1720 – 1788 ) و توماسو باليستياري .
صناعة الكمان في فرنسا
و في فرنسا نشطت حرفة صناعة آلة الكمان حيث عرفنا من معلميها باولو كوستانييري المولود في مدينة كريمونا الإيطالية و ابنه جوفاني كوستانييري ، فينشانسو بونورمو ( 1734 – 1813 ) ، نيكولا ليوبو ( 1758 – 1824 ) و قد كاد يضاهي أنطونيو ستراديفاري بمهارته الصناعية حتى لقب بستراديفاري فرنسا و تلميذه غاند شارل فرنسوا ، أوغوست برنارديل ( 1802 – 1870 ) و أبناؤه : شانو ، فرنسيس ، جورج و نيكولا أنطوان ( 1730 – 1782 ) ، هونورييه ( 1794 – 1883 ) و جان باتيست فيليوم و قد قلد آلات ستراديفاري و غوارنيري إلى حد تضليل الخبراء في الآلات خاصة و أنه وضع ملصقات مزيفة على آلاته لتزوير صناعته .
صناعة الكمان في النمسا
في مدينة تيرول النمساوية برز جاكوب شتاينر ( 1621 – 1683 ) و قد نافست آلاته صناعات ستراديفاري ، ماتاس ألبان ( 1621 – 1712 ) الذي قلد شتاينر و نذكر أيضاً كلوتس .
مدارس العزف على الكمان
ألمدرسة ألإيطالية
نبدأ بذكر أهم أبناء المدرسة الإيطالية للعزف على الكمان مثل كوريللي ، غابريالي، فيفالدي ، لوكاتيللي ، تارتيني ، جيمينياني و فيوتي . و كان جيمينياني أول من ألف كتاب لتعليم العز على الكمان و طبع في لندن في النصف الأول من القرن الثامن عشر . وقبل المدارس الإيطالية و العازف الكبير لوكاتيللي كان ذقن العازف يقع على الكعب الأيمن من الكمان حيث أصبح معها يرتكز على الكعب الأيسر من الآلة و ما زال حتى اليوم ، كما تغير القوس بانحنائه مما كان عليه فوق الآلة إلى الحالة الأفضل حيث ينحني عكسها ، وقد أحدث لوكاتيللي تجديداً جذرياً و واسعاً في تقنية الكمان حيث استحدث طرق العزف باليد اليسرى بتحريك اليد اليسرى و تنقلها على كافة مقامات الملمس بأوضاع ثابتة و ناجعة Positions ، كما استحدث معظم تقنيات اليد اليمنى و القوس مثل الحركة القافزة Sautillée ، و الحركة المتقطعة Staccato ، و الحركة المرتجفة Tremolo .
و أكبر امتياز عالمي بالعزف على الكمان أحرزه نيكولو باغانيني و هو أمهر عازف عرفه التاريخ و بلغت الأخبار عنه حد الخرافات و المعجزات . يحكى أن امرأة كانت حبلى و هي تستمع إليه أسقطت جنينها من شدة الإندهاش و الإنشداه ، و هناك قصة تؤكد قدرته الخارقة في العزف الفوري و الإرتجالي حيث تآمر عليه أحدهم قبل البدء بحفلة عزف منفرد ، بقطع أوتار كمانه بالسكين خلسةً ، و لشدة إندهاش هذا المتآمر عندما رأى نيكولا باغانيني يعزف كامل القطعة الموسيقية المعلن عنها على الوتر الوحيد الذي لم يقع عن الآلة وهو الأغلظ ، أي وتر صول ، تراجع عن العزف في أي مكان تواجد فيه نيكولا باغانيني منذ ذلك الحدث و هرب من الحفلة حيث كان من المقرر أن يعزف يضاً .
ألمدرسة الألمانية
أول مدرسة كمانية ألمانية تأسست على يدي ليوبولد موزارت والد المؤلف الموسيقي الشهير وولفغانغ آماديوس موزارت ، و طت هذه المدرسة تقنيات أساسية ما زالت من ضرورات العزف و التعلم على الكمان في أيامنا هذه ، و من أهم ممثلي هذه المدرسة العاوف الكبير شبور ، هيلمزبرغر و جوزيف يواكيم الذي فاق الجميع قدرة في العزف و التعليم على الكمان .
جوزيف يواكيم هنغاري الأصل عاش و عمل معظم حياته في برلين و أصبح مديراُ للمدرسة الموسيقية العليا هناك منذ العام 1868 حيث أسس الرباعي الوتري في العام 1869 ، و قد ألف مناهج لمدرسة التعليم على الكمان مضمناً إياها الدروس و التمارين والمقطوعات الموسيقية المهمة منذ عصره حتى يومنا هذا . و من أهم تلامذته : آوير ، بورمايستر ، غوبرمان و غوباي .
ألمدرسة الفرانكو – بلجيكية
قامت هذه المدرسة على جهابذة في العزف عل الكمان و التعليم عليها أهمهم روديه، بايو و كرويتسر . و قد تخرج من هذه المدرسة أساتذة مرموقون في العزف على الكمان و التربية الكمانية مثل فيوتان ، سيفوري ، إيزاي ، فينيافسكي ، كارل فليش ، فريتس كرايسلر ، إينيسكو و جاك تيبو .
ألمدرسة الروسية
ألمدرسة الروسية تأسست مؤخراً في نهاية القرن التاسع عشر على مقامات كافة المدارس العليا التي سبق الحديث عنها و على مقامها الذاتي العالمي المرموق ، فتكونت إذ ذاك حالة ظاهرية في الجودة العالية و القدرات التي لا تضاهيها قدرات أية مدرسة أخرى في العالم حتى اليوم . و من جابذتها و مؤسسيها : ليوبولد آوير ، هنريك فينيافسكي . و تمتاز هذه المدرسة بأعلى مواصفات العزف و التقنية بالإضافة إلى الواقعية في حل كافة الصعوبات التي كانت تعاني منها المدارس العالمية الأخرى . و من خريجي هذه المدرسة ياشي هيفيتس، إيلمان ، سيمباليست و غالاميان الذي عمل في الولايات المتحدة الأميركية . و من أهم المربين في العزف الكماني لهذه المدرسة : ستاليارسكي ، يامبولسكي ، موستراس و تلميذه أرام شمشيان و هو أستاذ الدكتور سليم سعد في العزف و التربية الكمانية ، يانكيليفيتش ، دافيد أويستراخ ، فايمان و غيرهم . و من أهم العازفين الذين تألقوا على المسارح العالمية ليونيد كوغان ، فيكتور بيكايزن ، فيكتور تريتيكوف ، غيدون كريمر ، روبين أهارونيان ، جان تير ميرغاريان ، فيكتور خاتشاتوريان ، الذي عاش و عمل في فرنسا ، و على الفيولا نذكر روبين آلتونيان ، سيرغي خاتشاتوريان و هما ممن تتلمذ عليهم أيضاً الدكتور سليم سعد ، يوري باشميت و كثيرون غيرهم .
من أشهر عازفي الكمان في الغرب و عند العرب
في الغرب
آركانجيلو كوريللي ، غابريالي، أنطونيو فيفالدي ، لوكاتيللي ، جوزيبي تارتيني ، جان ماري لوكلير ،جيمينياني ، دجوفاني باتيستا فيوتي ، إيفان خاندوشكين ، نيكولو باغانيني، لودفيغ شبور ،شارل شاوغوست ي بيريو ، هيلمزبرغر و جوزيف يواكيم آوير ، بورمايستر، غوبرمان و غوباي .هنري فيوتان ، سيفوري ، إيزاي ، فينيافسكي ، كارل فليش، فريتس كرايسلر ، إينيسكو و جاك تيبو . دافيد أويستراخ ، ليونيد كوغان ، فيكتور بيكايزن، فيكتور تريتيكوف ، غيدون كريمر ، روبين أهارونيان ، جان تير ميرغاريان ، فيكتور خاتشاتوريان، الذي عاش و عمل في فرنسا ، و على الفيولا نذكر يوري باشميت ، روبين آلتونيان ، برشاي، سيرغي خاتشاتوريان و هما ممن تتلمذ عليهم أيضاً الدكتور سليم سعد ، وكثيرون غيرهم .ياشي هيفيتس ، إيلمان ، سيمباليست و غالاميان الذي عمل في الولايات المتحدة ستاليارسكي ، يامبولسكي ، موستراس ، يانكيليفيتش ، دافيد أويستراخ ، فايمان، ليوبولدآوير،هنريك فينيافسكي و من العازفين العالميين نذكر يهودي مينوهين ، إسحاق ستيرن، هنري شيرينغ .
عند العرب
بعد ازدهار آلة الكمان و رواجها في أوروبا و إحرازها الريادة في تصدر الآلات الموسيقية ، عادت إلى البلدان العربية مع الدولة العثمانية التي ربطت الشرق بالغرب وأوروبا االعزف و التعلم عليه . نعم لقد كان العزف على الكمان في الشرق قبل التعلم عليها ، حيث اختبر كبار الفنانين عزفهم بطريقة السمع و الإحساس الكامل فنشأ إذ ذاك فن التقسيم أو الإرتجال على هذه الآلة . والسبب في عودتها إلى الشرق هو زيارات الفرق الأوروبية له عبر القصور و دور الأمراء و الباشوات و غيرهم من أهل اترف والأموال الطائلة .
نذكر من أهم العازفين العرب : سامي الشوا ، أنور منسي ، أحمد الحفناوي ، أحمد ططلاي و هو تركي الأصل ، عبود عبد العال ، منير عبد العال ، فريد السلفيتي، إميل شلالا، شفيق الهاشم ، نجم السكري (عازف كلاسيكي من سوريا ) ، إميل نونه ، إيلي خير ، جيزال سابا ، فرحات الهاشم ، نقولا الديك، محمد علي الغالي ، رفيق حبيقه ، محمد اللبان ، عدنان اللبان، هاكوب أسمريان ، محمود الجرشة ، سليم سعد ، ميشال خيرالله ، أنطوان خليفة ، ريتشارد السلفيتي ، أنيس حاوي ، جان بيار يبرودي ، أنطوان الشعك ، ريمون ناصيف ، ميشال السلفيتي ، عدنان النمير ، جهاد عقل ، ريتشارد قندلفت ، هادي بقدونس ، مازن زوايدي ، محمد حنانا ، و من تلامذة الدكتور سليم سعد : روبير حلو ، أمير كرامه (أوسامه كرامه ) ، حسام عزام ، عماد سيف الدين ، رولان عيد ، غسان غزاوي. نذكر أيضاً ابراهيم حمزه ، غازي مرعي ، أحمد شبو ، أحمد عقل ، محيي الدين سلام ، شارل أسطا ، منى سمعان ، جاكلين ثابت ، علي حسن ، زهير جمال ، لبنان خليل ، كلود شلهوب ، جورج يمين، ميشال المر ، منير مخول ، جوا ملاعب ، سلام ملاعب ، جيلبير قندلفت ، وسام الهاشم ، طوني قليعاني ، داني قليعاني ، بول بو غريب ، بيار سعاده ، ميشال ضو ، جوزيف متى ، ربيع أبو سرحال ، محمد برفت ، صدام حمية ، ناجي عازار ، سامي عبود ، رأفت عيتاني ، بسام البياع ، و غيرهم الكثير .
كل هؤلاء أو معظمهم أدوا الموسيقي الغربية و الشرقية على سواء كما اختبروا قدراتهم بالعزف المنفرد أحياناً في الموسيقى الشرقية و الغربية ، فمنهم من امتاز بالعزف المنفرد الكلاسيكي الغربي و العالمي بصفة مؤدي حفلات ( Concert Performer ) مثل نجم السكري ، أنطوان سعد ، ميشال خيرالله ، سليم سعد ( كمان – فيولا)، أنطوان خليفة، هاكوب أسمريان . ومنهم من امتاز بالعزف المنفرد الشرقي مثل سامي الشوا ، أنور منسي ، عبود عبد العال ، أحمد الحفناوي ، محمود الجرشة ، هادي بقدونس ، مازن زوايدي ، محمد اللبان ، جهاد عقل ، أمير كرامه ، ريمون ناصيف ، لبنان خليل ، ناجي عازار ، ميشال ضو، محمد برفت و غيرهم .
ألكمان في الأوركسترا
تشغل الكمان المستوى الأول بين الآلات التي تقوم عليها لأوركسترات الكبيرة بكافة أشكالها : السيمفونية ، السيمفو إيستراد، ألسيمفو جاز ، الفرقة الحديثة و غيرها من التشكيلات الأوركسترالية ، و السبب في ذلك هو امتياز الكمان ، كما سبق وقلنا، بصوتها الجميل و المرن الذي يبدو الأقرب إلى الصوت البشري و الأكثر قدرة من أية آلة موسيقية أخرى على التعبير الأشمل عن الأحاسيس و الحالات النفسية . كذلك فإن الفرق الشرقية والشرق - عربية اعتمدت الكمان في المستوى التعبيري الأول لها . و للكمان ثلاثة حالات تعبيرية تتميز الواحدة منها عن الأخرى بخصوصيات لا مثيل لها عند غيرها :
1 - حالة العزف المنفرد و هي حالة صعبة بالنسبة للعازف المنفرد ، كونه المسؤول الأوحد عن النتيجة العزفية الجمالية و الفنية ، حيث يؤدي خصوصية شخصيته وخصوصية حالته الإحساسية أثناء العزف بالإضافة إلى نوعية الآلة التي يعزف عليه . مع العلم أن صوت الكمان الواحد يتغير بتغيير العازف على ذات الكمان . و أي خطأ يحصل يسيء كلياً للجمالية الموسيقية .
2 – حالة العزف الثنائي حيث تنتقل الصعوبة إلى تكيف العازفين فيما بينهما وبالتالي إلى إشكالية نظرية التشابه و عدم التطابق ، إذ أن توحيد الصوتين مستحيل من ناحية، و تشابه الصوتين يعطي نتيجة واحدة ذات خصوصية جمالية مميزة من ناحية أخرى . و أي خطأ يحصل يكون مهولاً في إساءته للجمالية الموسيقية .
3 – حالة التوحيد الصوتي عندما يصبح عدد الآلات المشاركة ثلاث و ما فوق مما يجعل الفعالية الصوتية على ازدياد بجماليتها كلما زاد عدد الآلات المضافة على الآلات الثلاث الأساسية . و هنا تزول خصوصيات الثنائية لدرجة أن أي خطأ عزفي قد يحدث لدى أحد العازفين قد لا يلحظ لسبب تغطية الصوت الجماعي له . و هنا نؤكد أن العزف المنفرد صعب و الثنائي أصعب والثلاثي و ما فوق هو الأسهل .
قد تحتوي الأوركسترا على عازفين من مستويات مختلفة بما فيهم العازفين المتمرنين ، حيث لا ضير في أن تحصل أخطاء في العزف ، لذلك ترتكز الأوركسترات العالمية على عازف مسؤول هو عازف الكمان الأول الذي يجلس على المقعد الأول من جهة الجمهور عل يسار قائد الأوركسترا و يسمى بالأجنبية Concertmaster أي قائد الحفلة حيث يقوم بترتيب العازفين في مقاعدهم بحسب الأفضلية و يقوم بتصنيف الراغبين في دخول الأوركسترا و من يريدون الترفيع في مقاعدهم بالتوازي مع ازدياد خبراتهم و مهارتهم في العزف . و في حال غياب قائد الأوركسترا يقوم العازف الأول هذا بيادة الأوركسترا و بكافة التدريبات والتحضيرات الضرورية لجعل الفرقة جاهزة لأداء أعمالها الفنية الدورية الملحوظة في البرنامج الفصلي أو السنوي بالإضافة إلى الأعمال و العروض الطارئة والمستجدة . كما يقوم بتأكيد دوزان الفرقة من آلة ألآوبوا Haut-Bois النفخية أو من آلة البيانو في حال وجوده لأداء من نوع الكونشيرتو أو من أية آلة ثابتة في حال وجودها لضرورة جمالية في الأوركسترا .
يقوم الكنسرتمايستر أيضاً بإدارة الأوركسترا ، و أثناء الأداء يكون الدليل الأول في القيادة بعد قائد الأوركسترا ، لذلك يرتبط قائد الأوركسترا بهذا العازف طيلة زمن الأداء للتواصل التعبيري الذي ينتقل عبره إلى مجموعة الكمان الأول و مجموعة الكمان الثاني و من ثم إلى مجموعات الآلتو – فيولا و التشيللو و الكونترباص ، و ذلك عبر العازف الأول لكل مجموعة حيث يقوم هذا الأخير بدور مماثل لدور الكونسرتمايستر في مجموعته .
نظراً لأهمية الكمان أصبحت الموسيقى المؤداة بالكمان أو مجموعاته هي الأهم والأجمل في العالم ، و تبقى كل الفرق الموسيقية و أنواع الموسيقى غير المؤداة بالكمان أو بتشكيلاتها المختلفة تبقى من الصف الثاني نزولاً إلى أضعفها و أقلها جاذبية وبالتالي أهمية وجمالية .
========================================================================
ألبروفسور الدكتور سليم سعد
أستاذ في ملاك الجامعة اللبنانية
Dr.Prof. Salim Saad
0961 3 332304 – 0961 5 465200
من أبحاث البروفسور الدكتور سليم سعد
نقد و تحليل لمسرحية " حلم رجل مضحك " من تأليف دستويفسكي
إعداد و إخراج الدكتور طلال درجاني
بقلم البرفسور الدكتور سليم سعد ، رتبة أستاذ في ملاك الجامعة اللبنانية أيار 2008
نشر البحث في مجلة " فكر " العدد 103 نيسان 2009
مقدمة
الكلام في المسرح غير مستحب لأن المسرح أقوى من الكلام ، و إذا وجب الكلام فهو بالدعوة لحضور المسرح ثم في مديح بعضه أو إبداء الرأي الشخصي في مدى التأثير لهذا أو ذاك من العروض في الذات الفردية . و لكن تفاوت المفاهيم و اختلاف الهوايات و تنوع الإختصاصات تفرض التوسع في الكلام المسؤول فقط ، حيث لا قيمة للكلام غير المسؤول على الإطلاق . و إذا كنت قد جزت لنفسي أن أكتب في المسرح و عنه ، فذلك يعود لمسؤوليتي عن كل ما أسمع و ما أرى فيما يتركه من أثر في ذاتي من ناحية ، و موقعي الفني والعلمي و الأكاديمي من ناحية ثانية . و المفارقة المهمة هي أني من أبناء العلم و الفن ولكن باختصاص معمق في الفن الموسيقي أداءاً وتنظيرا ، مما يجعل كتابتي عن فن المسرح مميزة بطابع خاص حيث تندمج الفنون من ناحية ، و يتميز موقع الإطلالة من الموسيقى على المسرح من ناحية أخرى .
لا غرابة في المألوف الذي يبدو في إطار غرابة تباعد أو تمايز الموسيقى عن المسرح ، حتى ولو خضع الإثنان لملكة واحدة في التوق إلى التعبير الحر و الصادق ، بفارق التخصص و إشغال الزمن – الوقت . و بالرغم من ذلك فقد تكون كتابة موسيقي عن المسرح شيقة أكثر من كتابة مسرحي عنه ، حيث يكون الموسيقي متشوقاً للكتابة عن فن لا يحترفه ، و حيث يكون المسرحي هادىءً من فن يسري في دمه ، بالتمام كما لو كان العكس إذا ما دب الحماس في مسرحي ليكتب عن الموسيقى .
و قد جاء في كلمة اليوم العالمي للمسرح للعام 2008، للمسرحي روبرت لوباج ما يشدد على جرأة إدخال التكنولوجيا إلى المسرح لجذب الجمهور الذي بات في حل من التزامه بالمسرح ، و ذلك بهدف إنقاذ المسرح من انحساره و خروجه من دائرة الطلب الكبير من الناس . هذا صحيح كعلاج للحالة من ناحية إثباتها ، إلا أنه لا يشتمل على تطور المسرح كمسرح، حيث لا يبدو فناً من أنواع فنون اللهو و الإستمتاع الحسي ، دون المتعة الفكرية و الروحية . علينا أن ننظر إلى هذه الإشكالية من نافذة مسرحية " حلم رجل مضحك " للدكتور طلال درجاني ، حيث لا تسعى إلى جذب الناس المحبين للهو ، و بالرغم من ذلك فقد جذبتهم و استرعت الجانب الأكبر من انتباه المحترفين و الهواة و الجمهور على حد سواء .
هذا و لا بد من السعي لتصنيف هذا العمل المسرحي للمخرج طلال درجاني على أسس يفهمها الكل من أهل المسرح و من غير أهله مثل الجمهور الواسع . و في هذا المضمار لا بد من تناول هذا العمل من النواحي التالية :
1 – ألموضوع في دراماتيكيته القوية
2 – ألأداء التمثيلي المحترف
3 – إلتقاء الفن و العلم و الفلسفة
4 – سينوغرافيا المسرح و فعلها الفكري
5 – إشغال الزمن و ملؤه
6 – ألحكواتي الفيلسوف و الممثل
7 – فن المسموع و ألموسيقى
ألموضوع في دراماتيكيته القوية
لكل عمل مسرحي خصوصية الإعداد و الأداء و التعبير ، إلا أن صفة الدراما لا تنفصل عن أي عمل مسرحي ، و الدراما هي تسمية لحالة نفسية إنسانية أو لأي شكل من أشكال المقارنة بين حالة نفسية وأخرى في ذات الإنسان ، حيث لا يجوز أن نطلق صفة الدراما على حالة بين إنسانين أو على حالتين خارج الإنسان الواحد إلا بالمعني التشبيهي ، المقارن ، الرمزي أو المجازي لهذه الصفة . ألدراما تشبه ال "نعم " و ال " لا " ولا تقبل المساومة أو التقريب ، أو المقارنة بينهما كونهما النقيضين الواضحين . أما التداول الحاصل بالدراما اليوم يبدو غير محسوم لناحية حقيقتها ، و قد أدى إلى ضياع كبير لدى كثير من الفنانين و محبي المسرح بين التنويع في الحالات النفسية من ناحية ، و حالة النقيضين الواضحين في الذات الإنسانية أي للفرد البشري . فالدراما بمعناها الحرفي لا تعني البكاء و الضحك بل الإحساس الداخلي الذي يحدثهما لدى الفرد البشري ، فإذا ضحك إنسان و بكى آخر بقربه لا تحصل الدراما بحقيقتها الجلية ، أما إذا بكى إنسان وضحك هو ذاته في لحظة واحدة ، فهذه هي الدراما بحد ذاتها .
تحديد الدراما واضح في أساس نشوء المسرح ، و قد أصبح المسرح يتكنى بتسمية " دراما " منذ بزوغه حتى يومنا هذا ، و ينحصر معنى الدراما في سبب الأداء لحالات لا يحتمل صاحبها تكرارها ، نظراً لمرارتها و ندرتها ، حيث يلتقى الحزن بالفرح ، وتلتقي المصائب بالإنتصارات ، و تلتقي القوة بالسلام ، ويلتقي الصخب بالهدوء ، وتلتقي الحركة بالجمود، و يلتقي الإغتباط بالإحباط ، و ذلك في الخوالج النفسية لإنسان واحد و في لحظة واحدة و في مكان واحد.
دستويفسكي كاتب قصصي ، فلسفي و ربما درامي ، لا يقصد بكتابته المسرح ، بل الإنسان الذي بدا هدفاً للمسرح و أهله . و الكاتب الدرامي لا يعني أنه كاتب مسرحي ، بل إنه فعلة جذب للمسرح وفنونه القادرة على ربط ما لا تربطه الحقيقة ، و الذي يعبر عن السنين بلحظات و عن المساحات الشاسعة بخشبة محدودة بأمتار عرضها و طولها . و هكذا ، و بالإختصار المفيد أصبح المسرح مدموغاً بتسمية " دراما " ، لأنه ببساطة حذف كل البساطة من تاريخ الأحداث و أبقى على زبدها المثير ، ألا و هو الأبعاد القصوى بين المشاعر لدى إنسان واحد أو إثنين من أبطال هذه أو تلك من المسرحيات .
في العمل المسرحي " حلم رجل مضحك " ارتكز د. طلال درجاني على دستويفسكي بمبدأ الشرب من المنهل و ليس من الساقية . أبصر عمل دستويفسكي هذا ، نوراً خاصاً بتفعيله على المسرح و لم يكن يوماً من نتاج المسرح ، بل إنه بقي منهلاً لأهل المسرح الذين يجيدون تلخيص الزمن لعرضه متعةً فكرية و عقلية و فنية للجمهور . و كأن الإثنين معاً ، ألقصة و مسرحتها ، تلاقيا بانسجام على غير موعدٍ وعلى حقيقة التلازم بين القصة الموسعة بأزمانها و المسرح الذي يجعلها فعلاً مجازياً مختصراً و ممتعاً . لولا المسرح لبقي دستويفسكي فيلسوفاً و مصلحاً إجتماعياً تتناوله مناهج الأدب و التربية و فن القصص ، وهنا نفذ من حقل راقٍ إلى حقل راقٍ أيضاً و أوسع من الأول . كم من أديبٍ يرى جديداً في مسرحة الأعمال الأدبية و القصص ، و كم من البشر يدركون بلاغة العظات عند دستويفسكي و غيره من الكتَّاب ، دون أن يقرأوها ، بالمسرح فقط . و كم من الناس ، إذا قرأوا الفلسفة والأدب و الحكايات ، يبقون دون المعنى الذي يكتسبونه في لحظات حضور مسرحة ما قرأوه .
ألقصة مثالية ، لكنها بمسرحتها تصبح فعلاً سلوكياً ينتقل من الممثل إلى معظم المشاهدين ، وبالتالي تجد القصة منهجها إلى حياة الإنسان الذاتية و الإجتماعية ، و هنا تكمن قدرات الجسور التي يعبرها الناس من القصة إلى المسرح . و الجسور هذه هي من صنع فنانين متخصصين ، متعلمين و مثقفين يدعون مخرجين . فبقدر ما تجد القصة تجسيداً إحساسياً و وضوحاً على المسرح بقدر ما يكون جسر العبور بين الفنين ، ألقصة و المسرح ، متيناً و ضامناً لإستفادة المشاهد مرتين ، مرة من القصة و مرة أخرى من المسرح ، وبالتالي يكتسب المشاهد أدباً و ثقافةً و قراراً في تحقيق الفضائل المكتسبة ، في حياته الشخصية .
ألمخرج طلال درجاني أصولي الثقافة و متين التخصص في نقل المفاهيم العالية و القيم الإنسانية، من القصة إلى المسرح . فقد أجاد في هذا المجال جاذباً الجمهور دون إي إنقاص من جدية المسرح ، حيث نشهد اليوم تنازلات في الأصول الإخراجية لدى البعض تخفيفاً على الناس بقصد ترغيبهم بحضور المسرحيات . و هذا الموقف الواثق للدكتور درجاني جعلني أعيد التأكيد على أن الرخيص بائد والثمين آبد .
ألأداء التمثيلي المحترف
بدت ألمسرحية ميدان احتراف تمثيلي تجسد بفعل التعبير الكامل للممثلين على اختلاف أدوارهم من ناحية ، و بفعل الإخراج التمثيلي و مبدأ تحريك الممثل من ناحية ثانية . كما بدا من الصعب فصل الناحيتين عن بعضهما البعض إذ تمازج التمثيل بالإخراج دون حدود ، حتى بلغ ذروة التفعيل المسرحي الدرامي بمعناه الحقيقي و التاريخي على طرائق معالجة إشكاليات التعبير الصادق و المؤثر ، بتقريبه قدر الإمكان إلى الواقع و الحقيقة ، دون المس بالإلتزام الكامل بالأدب القصصي للكاتب دستويفسكي ، ما يدفعنا أكثر إلى تحليل ما حصل في هذا العمل الكبير .
لا شيء كامل بل إن العظمة تكمن في السعي إلى التكامل و التوصل إلى القفلة المسرحية الإحترافية في العمل الإخراجي ، إذ أن العمل المسرحي هو إشكالية دائمة يتبارى بها أرباب المسرح فيما بينهم و يتسابقون لتسجيل فعل جديد باتجاه التكامل . فالإخراج ينحصر في شخص واحد أما التمثيل فبعدة أشخاص ، و يبدو بذلك الأول أقرب إلى الثوابت أما الثاني فمليء بالمتغيرات ، حيث يضع الممثل ذاته بتصرف المخرج منفصلاً عن ذاته الأدائية ليتصل بذاتية الإخير الذي بدوره يربط فعله بفعل الكاتب .
ظهر الممثلون بمظهر السبيكة الواحدة التي صنعها المخرج على أساس الكاتب ، فكان انفصال الممثلين عن ذواتهم ممراً لاستعادة الذات المطلوبة لنقل دستويفسكي على حقيقته ، مما جعلنا نفهم الكاتب أكثر بكثير مما لو قرأناه . و هنا يظهر سر التزام المخرج بالنص متحكماً بالتظهير الراقي للحقيقة ، معتمداً على قدرات التمثيل العالية لدى الممثلين . و هذا لا يتم إلا باحتراف عال للفن التمثيلي من قبل هؤلاء الذين عرفوا كيف يتحكمون بذواتهم ، كممثلين ، فيفصلونها عنهم تارة و يستعيدونها بما أراده دستويفسكي ، تارة أخرى . و هنا لا بد من كشف حقيقة عملهم المحترف الذي يختزونه في قدرتين أساسيتين :
1 – الإحتراف التمثيلي العالي
2 – ألعمل التمريني الدؤوب
ففي الإحتراف التمثيلي العالي ، حين يختصر الممثل القدير حسام الصباح و شريكاه ، ألممثل كميل يوسف و الممثلة الراقصة ساندرا ملحم ، أزمنة و أمكنة دستويفسكي ليقدموها تمثيلاً باهراً لا يحتسبون فيه الكم الزمني ، بل المقام الأدائي النوعي ، و استعاضت ساندرا ملحم عن الصوت بالتعبير الجسدي المعبر . حيث بدوا لنا على مسرح نحن فيه مشاهدون ، أما زمان الأحداث ، فنحن لسنا منه بشيء من القرب ، جاعلين إيانا جزءاً من حياة الرجل المضحك الذي وصفه دستويفسكي بدقة بالغة .
أما في العمل التمريني الدؤوب ، حين يقوم الممثلون بأعمال إعدادية لذواتهم على مدى زمني يضيق في الوقت دون احتساب مصاعب التقاط الذات يومياً ، لمدة لا تقل عن الزمن الضروري لكينونة الاندماج التام للممثلين بمكان – أي مسرح - و بزمان بعيد قربوه لنا و كأنه زماننا ، أو كأننا لسنا من هذا الزمان بل منه هو ذاك الزمان الغابر ، إذ أن الإحتراف التمثيلي يمثل الموهبة الممتزجة بالعلم والتمرس ، والتمرين الدؤوب يمثل قدرة هؤلاء الممثلين على إخضاع الزمن لحركتهم و ليس العكس . و هنا نؤكد أن ما قام به هؤلاء الممثلون هو تفعيل العلم و الموهبة و التمرس بزمن لا يأبهون بطوله أو امتداده ، و هذه هي مقومات الأعمال الجبارة في ميادين الفن الأدائي ، و هي واحدة عند الكبار ، من محترفي و صانعي الفن الدرامي بذواتهم الشخصية . هذا ما ندرجه على مقياس عناصر الفن الثلاثة :
1 – ألموهبة
2 – ألعلم و الأداء
3 – إخضاع الزمن للتمرس
و أي إخلال بهذه المعادلة يجعل العمل الأدائي ناقصاً و غير جدير بالتظهير أو العرض ، و حيث أن المعادلة هذه لاقت تفعيلاً من الممثلين حسام الصباح ، كميل يوسف و ساندرا ملحم ، وصل العمل هذا إلى مصاف الأعمال العالمية بفارق زيادة التمرس و الإعداد بإخضاع الزمن في تكراره ، و رفعه يوماً بعد يوم ، من احترافي إلى احترافي آخر على قاعدة أن الأداء لا يكرر ذاته ، بل يتزايد بالعمل والتمرس ، وهذا في النوع و ليس في الكم للعمل المسرحي الواحد . و هنا في تكرار العرض المسرحي هذا ، تحصل عملية التشذيب والتهذيب باتجاه التكامل الذي لا يصله أحد ، و هو الحافز الأساسي الأوحد للأعمال الفنية الخالدة ، و به يتوق الكل إلى علياء التعبير المسرحي التمثيلي الكبير .
إلتقاء الفن و العلم و الفلسفة
في الكلام عن الفن لا مجال للتكلم في الفلسفة و العلم ، لأن الفن حالة قائمة بذاتها ، إلا أنه يلتقي بالعلم عبر تحليله أو عبر صناعته بالإرادة الإنسانية الخلاقة . ذلك أن التناقض في المصدرية و المسار بين الفن والعلم ، يجعلهما نظيرين متوازنين في مكانين متقابلين في دواخل الإنسان الروحية و الفكرية والعاطفية. فالإحساس هو مصدر الفن ، أما الفكر هو مصدر العلم ، و حين يتقابلان في خوالج الإنسان يجريان إثبات وجود ، كل منهما أمام الآخر ، فتبرز حتمية الإبداع الإنساني الصرف الذي يرتكز على ظاهرية الفن و على واقعية العلم . أما الفلسفة هي الحلول التي يتوهمها الإنسان واضعاً إياها في اختبار التنفيذ لتصبح علماً و بالتالي فناً أدائياً ، كما أن الفلسفة هي الصلة الوحيدة بين العلم و الفن عند البزوغ وفي المصدرية الداخلية للإنسان .
يبدع الإنسان بالفطرة فناً ، أما بالعقل ، علماً ، و بالفلسفة عقيدة وهمية تبقى خزاناً لإبتداع ما لم يأت بالفن أو بالعلم . و بالتالي فإن الفن حقيقة في الأحساس ، أما العلم ، هو حقيقة في نتاج الفكر ، والفلسفة هي إشارة الميزان بينهما ، تتأرجح بين الواقعية و الشك و تريح الإنسان بما يشبه الحقيقة التي هي في الفن و العلم على حد سواء . و على هذا الأساس يمكن تحديد الإلتقاء بين هذه العناصر الثلاثة في العمل المسرحي "حلم رجل مضحك " على الشكل التالي :
1 – ألفن في توق بطل المسرحية إلى أداء الإنتحار بهدف الخلاص مما يتخبط به
2 – ألعلم في تجسيد القصة على المسرح و إخراجها
3 – ألفلسفة في التردد و الشك فيما يقوم به البطل أحياناً و يتراجع عنه أحياناً أخرى
لا تلتقي هذه العوامل الثلاثة إلا في المسرح العملاق ، حيث يكون الكاتب مثل دستويفسكي ، وحيث يكون الممثلون مثل حسام الصباح و كميل يوسف و ساندرا ملحم ، و حيث يكون المخرج مثل الدكتور طلال درجاني . فالقول بالكاتب عيب لأنه مستحيل ، والقول في الممثلين المتمرنين بالعلم و الأداء أيضاً من غير الممكن ، و القول في المخرج يضعف القائل لأن العمل معه استوفى أعلى شروط العرض للفن والعلم و الفلسفة . و لم يقف المخرج عند حدود الملهاة ، ألحدود التي أصبح الوقوف عندها ، في أيامنا، أسهل من السهل ، بل إنه تعداها إلى ميادين القمم العالية حيث لا يتبارى فيها إلا من قتله العمل أكثر من مرة ونهض من كبوته مراراً ليتبارى بالعروض الثقيلة دون إبطال فعل اللهو ، محافظاً على الجدية و الفكر والعلم و الفلسفة ، و معطياً الفن الأثقل في المعايير العالمية ، حتى و لو ترك للعروض المتكررة حقها في رفع مستوى التنفيذ و الأداء و الإخراج .
فهذه العناصر الثلاثة وحدها كفيلة ، متى اجتمعت ، بشد الإنسان إلى الأعلى ، فكم بالحري حين لاقت طلال درجاني يعمل من أجلها عبر فن المسرح معتمداً على ممثلين لا يعتدون بذواتهم إلا بالعمل الدؤوب و بشعور الخوف من السقوط ، مما جعل النجومية ملقاة عليهم في عمل خافوه فقاموا بإعطائه حقه في الوجود المسرحي الكامل .
سينوغرافيا المسرح و فعلها الفكري
ترتبط سينوغرافيا المسرحية بالبعد الفلسفي للقصة و تمثل الكون بالرمزية ، إذ أنها تدل على حركتين أساسيتين في الوجود الإنساني و هما : ألحركة الكروية لرمزية الكرة الأرضية ، و الحركة المتناقضة بين الصعود و السقوط . هذا بالإضافة إلى الإشتمال على حركة الأبعاد الأفقية بين الشرق والغرب و الشمال و الجنوب ، أي الحركة الدائرية الأفقية .
لم يكن ألتشكيل السينوغرافي معقداً ، بل إنه اختصر الحركات المعقدة ببساطة و دل على صعوبة بالغة في التحقيق و التنفيذ للشكل و الحركة و مضمون التجهيزات . و هنا أيضاً تجدر الإشارة إلى شمولية وعمق الربط بين العناصر الثلاثة : ألفن و العلم والفلسفة بهكذا سينوغرافيا ميكانيكية ، تختصر الكون فلسفياً و تبسطه للمشاهد ، حتى تصل به إلى الشكل الخارجي البسيط الذي يرمز إلى شساعة الكون وكروية التفكير البشري ، ألذي يفرح و يحزن لأسباب واحدة و ثابتة . كما أنها عبرت عن نظرية تعليل السبب مهما كانت الأسباب ، حيث راح البشر بالوراثة منذ القدم ، بتبرير الفرح بنفس معايير تبرير الحزن ، و تؤكد أن الإنسان قد يقنع ذاته بضرورة الإنتحار ، أو بضرورة البقاء في الحياة ، لنفس الأسباب و بنفس المعايير ، وهذا يركن في نظرية التفكير الكروي ، حيث يبرر الإنسان نجاحه ليفرح ويبرر فشله ليفرح أيضاً .
بهذه الشمولية الكبيرة ظهرت الوحدة السينوغرافية لهذه المسرحية ، حيث أنها صنعت بتصميم واحد و بطريقة ميكانيكية واحدة و هي تدل و ترمز إلى أشياء كثيرة أهمها : ألإنسان ، ألكون ، ألشعور ، ألموقف ، و تتمتع بمرونة الحركة ، و كأنها الأرض بحركتيها وهي تدور حول الشمس ، و تدور حول ذاتها. دعنا نترك الشرح جانباً فنقول أن السينوغرافيا التقليدية معدومة أمام هذه السينوغرافيا المميزة التي أعطت العمل المسرحي هذا أبعاداً تدعم القصة بمقابل دعم القصة لمعالجة الإنسان برمته عبر الكاتب دستويفسكي والمخرج طلال درجاني . و لولا هذا الشكل السينوغرافي لوقع العمل في خانة المحدودية التي لا علاقة لها بالخلق و الإبداع ، حيث أن الله منح الإنسان الفكر الكروي ليبقى و يستمر و إلا لكانت الإنسانية صحراء قاحلة منذ بزغت أو قبل أن تكمل كينونتها.
إشغال الزمن و ملؤه
نشأ الإنسان في زمان و مكان ، فخلقه الله على الأرض ، و في بدء التكوين ، و أعطاه الزمن ليعمل به منتقلاً من الأرض إلى الآخرة . فالزمن هو الوزنة الأولى المتحركة التي مَنَّ بها الله على الإنسان، إذ أن الأرض هي من ثوابته أما الزمن فمن المتغيرات لديه . و التزم الإنسان بالزمن ليتصرف به ، أو خلاله ، فوجد أن الزمن قاتل له فواجهه بالمثل فقتله بملئه و إشغاله ، و أثبتت أحداث التاريخ أن الإنسان هو قاتل أو مقتول في صراعه مع الزمن . فكانت الحسابات الزمنية ليعرف الإنسان كم من الزمن استهلك في حياته ، أو كم من النتاج أحرز عبر هذا الزمن ، و كان الحساب يؤكد دائماً أن الزمن ثمين و لا يشترى إلا بالإنشغال به ، وليس باللهو به فقط ، بل بضرورة الإنشغال والتمتع بالزمن و باللهو عبره .
أثبتت مسيرة الزمن أنها توقف الإنسان أمام الحساب بعد أن يمضي الزمن و ليس قبله . فكان التاريخ و كانت التوثيقات لتدل على ميزانية الإنسانية بين الإنشغال و اللامبلاة ، و الحصيلة هي في شعور الإنسان بالملل حين يفرغ من إشغال الزمن . و هنا نواة الموضوع بأن الإنسان لا قيمة له عندما يشعر بمرور الزمن ، و هو الكبير بإحساسه حين ينسى الزمن و يقوم بأدائه الحياتي بشتى أشكاله و أنواعه ، فيمر الزمن عليه دون أن يشعر بمروره .
و هذا ما صنعه المخرج لأجل المشاهد ، جاعلاً أياه ناسياً للزمن ، مشدوداً مع تعددية و توازي الحركة على الخشبة على اختلاف أنواعها في آن . فكنت تتابع حسام الصباح فتشدك حركة كميل يوسف البطيئة أو انسياب ساندرا ملحم بذات الإيقاع المستمر ببطئه حتى شبه الإنعدام . هذا في المرئي و هناك ما شابهه في المسموع من الموسيقى لمؤثرات المرافقة ، أو من أصوات الممثلين ، بكلام أو بدون كلام ، لتفهمك كثافة المحتوى الذي أراد المخرج أن يظهره من الكاتب .
لعل الموسيقى ، لا بل من المؤكد ، أنها الفن المميز في استخدامها و احتسابها للزمن . و ذلك هو في عمق اختصاصنا ، حيث تكتب النوتة بعلامات الصوت اللحني المسموع ، و بعلامات الصمت الساكنة المرافقة لها ، حيث يتساوى المسموع مع الصامت في احتساب الزمن . و إذا ما حصل خلل في احتساب الزمن تنكسر الأوزان الإيقاعية التي تسير مع الزمن بدقة كاملة و متناهية ، لذلك فإن الفراغ الصامت هو من المحتسب و المعدود على حد سواء مثل الملء المسموع ، و إذا اختل العدل و التساوي بينهما سقطت الموسيقى ونفرت منها الأسماع .
على قاعدة الموسيقى في احتساب الزمن بدت مسرحية " حلم رجل مضحك " ملتزمة بالتمام والكمال بالزمن و احتسابه ، حتى جرت أحداثها في ذات الوقت حين يتغير شكل و موقع السينوغرافيا السالفة الذكر ، و لذلك أمكن إجراء العرض مرة واحدة ، في زمن واحد و عبر سينوغرافيا واحدة ، و دون أي انقطاع تفرضه المتغيرات في المسرحية . بهذا استطاع المخرج أن يصل إلى قمة نسيان الزمن قاتلاً إياه بملئه حتى الجمام ، قاطعاً أنفاسه و منتصراً عليه دون هوادة . و بانتصاره هذا ، حقق المخرج عدمية الملل للمشاهد المثقف الذي يقدر الزمن خير تقدير ، كما أنه قدم للمشاهد من ذوي الإحتراف الأدائي عملاً يشده وينسيه الزمن لإنشغاله كلياً بأحداث القصة من ناحية ، و فن الأداء الشامل للممثلين و السينوغرافيا وللخشبة برمتها ، من ناحية ثانية .
و نخلص إلى التأكيد بأن طلال درجاني ملأ الزمن و ربح معركته ضد صعوبات التنفيذ للقصة الكثيفة بالفكر و الفن و الفلسفة و العلم ، و فعَّلَ وزنته بحفظ الزمن من الإنفلات و حقق وفاق الحساب بين الوقت و الأحداث التي تملأه ، سواء في أداء العمل المسرحي أم في دعم العمل عبر تغيير الديكور وتحريك السينوغرافيا ، دون اللجوء إلى الوقوف بمعنى الإستراحة ليقوم بتغيير ما وجب تغييره بحجة واهية استنفدها المخرجون التقليديون و غيرهم ، من المخرجين الذين يرتكزون على وسطية أو أواخرية الأمور دون أولوياتها . فقام الممثلون بالتمثيل القدير و بمهام خدمة التحريك المسرحي للسينوغرافيا في آن ، و بكل ما تطلبتها ضرورات التنفيذ المسرحي الراقي و المبدع . و يعتبر هذا العمل من الأعمال العصرية التي تتطلب مشاهداً قديراً لا يغفل عن معاصرة الحياة بأرقى معانيها ، سواء من ناحية الأعمال أم من ناحية تثقيف الذات و القدرة على فهم معطيات العصر الحديث .
إمتلأ الزمن بمعطيات العرض المفعمة بالحيوية الفكرية و الروحية و الخالية من مظاهر الإنفعال البسيطة و الفاقعة ، حيث تلقى الفكر كل فظاظة التوتر الغريزي ، فكان الغضب قريباً من الفرح بالشكل وبعيداً عنه بالتعبير العقلي التمثيلي الراقي الذي فرضته القصة . كما امتلأ الزمن بالضوء و الظلمة ، بالصوت وبالصمت ، بالموسيقى و التأمل و بكل مقومات الدراما الأصيلة .
ألحكواتي الفيلسوف و الممثل
شاء المخرج أم أبى ، فإن للعمل هذا جانب سردي معبر تمثل باستخراج الشخصية الرئيسية من دستويفسكي لتضفي على القصة فعلاً روائياً مونولوجياً بمرافقة التمثيل . و قد رافق تمثيل حسام الصباح سرده للقصة من ناحية ، و تمثيل كميل يوسف و ساندرا ملحم من ناحية ثانية ، فانسابت أحداث الموضوع إنسياب المياه في الأنهر و السواقي السهلة و القليلة الإنحدار ، فذهبت بالمشاهد إلى قلب الدراما بسهولة تامة بالرغم من التعقيد الفلسفي للموضوع ، حتى غدونا نؤكد أن قراءة القصة بدت صعبة أما تمثيلها فبدا سهلاً بالرغم من الفارق الكبير بين سهولة القراءة و صعوبة التنفيذ المسرحي الدرامي .
لولا المحورية الفلسفية للسرد لكانت المسرحية مألوفة و من أشباه الفن الحكواتي المعروف والمبتذل ، إذ أضفت الفلسفة على المونولوج السردي نموذجاً جديداً يستحق تسمية التجريبي الصعب . وبهذا المنحى الفلسفي الصعب أصاب حسام الصباح عصفورين بحجر واحد ، فقام بإفهام المشاهد على مدى العمل بتفاصيل المغزى الأساسي للقصة من جهة ، و اختبر فناً تجريبياً غير مألوف من جهة أخرى .
ألكلام من مزايا الفيلسوف لشرح نظرياته و ليس لسرد قصة مليئة بمقومات التمثيل و التعبير الصوتي و الفكري في آن ، فبدا الفيلسوف متكلماً و ليس حكواتياً يهوى اللهو و إلهاء السامعين . ألحكواتي يشد الإنتباه المتعوي أما الفيلسوف الممثل فيشد الفكر و التأمل الروحي ، لذلك تميزت المسرحية بالرقي وبالنخبوية للمشاهدين ، حيث تجد الفنون التجريبية ذاتها في أهل الفكر من محبي الفن ، و بشكل خاص هواة الفن المسرحي .
بالرغم من الإحتراف التمثيلي العالي للتمثيل و الرؤية الإخراجية العالية و الفاعلة في هذا العمل لاقت الفلسفة القصصية مكاناً لائقاً في الفن التمثيلي ، كما في الصوت الإلقائي الذي كان و ما زال أساس التعبير المسرحي ، كذلك في التمثيل و الأداء ، مما يجعل المسرحية قادرة على الوصول إلى أعماق المشاهد عبر الصوت منفرداً وعبر المشهدية بالصوت أيضاً ، و هذا ما يجعل العمل متكاملاً في المسموع وفي المشهدية على حدٍّ سواء متحدين و منفردين .
ليس من السهل أن تصل الأعمال المسرحية إلى هذه المراتب و القدرات ، و قد وصلت إليها هذه المسرحية بفعل الجمع بين جوانب احترافية أصيلة للفن المسرحي بشكلها المتكامل و المترابط في الشكل والمضمون من ناحية ، و في تزامن أنواع الأداء السردي التمثيلي ، و بالتالي المسرحي من ناحية ثانية . وهذا ما يميز الأداء المرتكز على العلم و التمرس و الإحتراف الأدائي بالصوت و بالحركة .
لا ضير في اعتبار هذا العمل جديداً و تجريبياً ، بالرغم من اعتماده على مدارس عالمية معروفة للفن المسرحي ، فإن الجديد فيها تجربة المخرج بحد ذاته ليحاول إحداث خبرات جديدة في تحقيق الرؤية الإخراجية الذاتية بالرغم من تقاربها أو من مرجعيتها إلى هذه أو تلك من المدارس المسرحية العالمية . و قد وصل إلى ما هو جدير بالتطبيق المحترف في هذا العمل الجدي المتوازن .
بالإضافة إلى كون الممثل حسام الصباح قديراً ، متعلماً و جريئاً ، ظهرت نتائج العمل الدؤوب الذي قام به هذا في هذا العمل ، فقام بنقل الرؤية الإخراجية المميزة لطلال درجاني و النص العميق والدقيق لدستويفسكي بالشكل الأرقى و الأكثر تعبيراً في عصرنا المسرحي الحالي . و بهذا أحرز بعمله هذا نقلة نوعية في المسرح الكلاسيكي العالمي على أرض لبنان ، ألمسرح الذي راح يجتنبه كثيرون من الممثلين والمخرجين بسبب الدقة و التشدد ليلجأوا إلى المسرح الحر المركب ، أو إلى غيره من الأنواع الحديثة الأكثر حريةً و سهولة . فهو الممثل و الحكواتي الكلاسيكي و الشخصية الرئيسية المعبرة لهذا العمل ، إلى جانب ظهوره كإنسان واقعي الوجود و خيالي التفكير في آن بالإضافة إلى الحس الفلسفي المتألق .
فن المسموع و الموسيقى
ألمسموع في هذا العمل المسرحي " حلم رجل مضحك " حالة متكاملة امتزجت بكل مقومات وعناصر العمل الأساسية . بدت كل تشكيلات الفن المسموع مجدولة على محور الرؤية الإخراجية منتجة شكلاً مؤثراً أعطى المسرحية رونقاً خاصاً ، بالإضافة لتداخله المتمازج مع كافة عناصر العرض . و قبل الدخول في تفاصيل فن المسموع نعدد عناصره الأساسية كما يلي :
1 – ألصوت التمثيلي
2 – ألمؤثرات الصوتية و الضوئيات
3 – ألموسيقى
ألصوت التمثيلي
ألصوت التمثيلي لهذا العمل نتاج متكامل للتمارين التي جرت إلى جانب الإحتراف الصوتي التعبيري للممثلين ، و بشكل خاص لحسام الصباح ، الذي أعطى بصوته الطبيعي ما تعجز عنه التكنولوجيا، لأنه أخرجه موصلاً إياه إلى التكامل ، حيث لا دور للتكنولوجيا و المكبرات إلا بتضخيم الصوت و هذا لا داعي و لا موجب له في المسرح الكلاسيكي .
حصل التوازن المثالي بين الحنجريات و اللسانيات إلى حد ظهور الصوت بمظهر الآلة المركبة و المتقنة الصنع ، ألا و هو من صنع الله بإدارة حسام الصباح و كميل يوسف اللذان يتقنان فن الإصدار الصوتي ، سواء بكلام أم بغير كلام . كان الصوت هو الوسيلة الأولى للتعبير التي قادت أسماع المشاهدين تاركةً القليل من التعبير للمشهديات ، لولا الحضور النوعي لهذه الأخيرة . صوت حسام الصباح متكامل التعبير و لا تشوبه شائبة بطبيعة العلم والخبرة لديه ، بالإضافة إلى ما أضفاه عليه من خصوصيات التعبير في التمرينات الجبارة المجراة لهذ العمل بالذات .
سلطنت جهورية الصوت أحياناً و استقرت شمولية التعبير سائدةً على مدى العرض ، فكان الوضوح كاملاً و ممتعاً و كانت الدرجات الصوتية المنتقاة تركن قي قلب التعبير الصوتي ، و هي التي اختيرت بذكاء كبير و بخبرة ناضجة لكي تستبدل ملل الإستماع بالشوق إليه ، و هذا ما جعل العرض ينتهي بارتياحٍ للأذن لدى المستمعين و بانشغالهم بالفكر و القصة و تفاعلهم معها . و بهذا يكون صوت حسام الصباح قد سجل موقفاً نوعياً على مدى ما يقارب الساعة ، حيث قد يعجز عنه كثير من الممثلين و المذيعين والمتكلمين ، الذين يصمدون بمعظمهم من عشر إلى خمس عشرة دقيقة بنوعية جذابة ، و بعدها يعوزهم التوقف أوالتمرس ، كما تمرس و جهز ذاته حسام الصباح .
أتقن حسام الصباح و الممثلون فن الصوت التمثيلي الذي لا مفر من العبور عليه من القصة إلى الجمهور ، مروراً بالقصة و الرؤية الإخراجية و ما تستلزمه من عناصر التنفيذ الإحترافي لهكذا أعمال من المسرح الكلاسيكي المعاصر . توازنت اللسانيات مع الحنجريات و الحلقيات و الخيشوميات حتى بدت فناً متكاملاً بحد ذاتها يصلح فناً تعبيرباً كاملاً لأداء المسموع ، مما يسمح بسماع المسرحية و التمتع بها عبر الإذاعات و لو غابت عنها المشهديات المتكاملة أيضاً ، حيث لم تقف عند التعبير الإحساسي و اللغوي الكامل بل تعدته إلى الوضوح المطلق الذي لا وصول إلى المشاهد إلا عبره .
ألمؤثرات الصوتية و الضوئيات
جنباً إلى جنب جاءت المؤثرات الصوتية ، مع الصوت التمثيلي و الموسيقى ، إلى الخشبة لتزيد فن المسموع جاذبيةً و تعبيراً صادقاً . بالرغم من ندرة هذه المؤثرات في العرض كانت تطل في اللحظة المرسومة لها بدقة متناهية لتؤكد التفعيل المرسوم لها في الرؤية الإخراجية و المخطط الهندسي الذي احتواها و دخل جدول التمرينات العامة قبل العرض .
لقد انصبت مقومات التفعيل التعبيري في سياق المسرحية دون أي إخلال في الزمن أو في إصابة الهدف الذي وضعت من أجله ، فلا فرق بين الصوت التمثيلي و المؤثرات الصوتية و الموسيقى في أداء المهمة التي تصب بنظامية ممتازة في رسم النوعية التنفيذية العالية ، و التي أصبحت بالتالي ، حقلاً صوتياً تجري فيه الأحداث و يربط الخشبة بالمشاهدين ، و كأن الكل أصبح قماشة واحدة نسجت من خيطان نخبوية من هذه العوامل المسموعة و أداة التلقي ، أي أذان الجمهور . حيث قام مهندس الصوت نزيه نصولي بمتابعة أدائية حية مميزة لتحقيق هذا الفعل المؤثر للصوتيات بالتوازي مع العرض .
على غرار الصوت و مؤثراته أتت الإضاءة المدروسة لتضع تصورات الكاتب و المخرج في مكانها الصحيح لدى المشاهد ، و هي لا تقل أهمية عن الصوتيات بفارق أنها من المشهديات . و فن الضوء في هذه المسرحية هو جزء لا يتجزأ عن باقي عناصر التنفيذ المثالي لهذا العمل المسرحي العصري الكامل الذي أصبح ، بمرئياته و مشهدياته ، مرادفاً لفنون المسموع المتقنة التفعيل التي تواكب العصر و تربطه بأزمنة كتابة القصة الغابرة ، على أسس الإنسان و وجوده في هذه الدنيا .
مما لا شك فيه أن طاقم التنفيذ للصوت و للإضاءة عمل في ثلاثة أزمان مختلفة ، في التصميم المسبق ، في التمارين الدؤوبة التي أجريت للعمل ، و أثناء العرض ، ما جعل جورج أبوزيد كمهندس للإضاءة ، و هو ممثل يمارس الإخراج ، يؤدي أداءاً حياً إلى جانب الممثلين حسام الصباح ، كميل يوسف و ساندرا ملحم .
ألموسيقى
ليس للموسيقى إلا فعلها العظيم في كل عرض مسرحي بشكل عام ، و بشكل خاص في تنفيذ هذه المسرحية . فقد استجابت الموسيقى ، في العمل هذا ، لمتطلبات الإعداد المسبق المدروس و الذي ، على ما يبدو ، خضع لإنتقائية كبيرة ، كما أثناء التأليف الموسيقي كذلك أثناء التمرينات الإعدادية الإحترافية لهذا عمل . فجاءت النتيجة لتؤكد أهمية الموسيقى بين فنون المسموع ، بالرغم من بعدها عن الوضوح الكلامي اللغوي ، إذ أنها بدت سرداً كاملاً ، بحد ذاتها ، للأحداث الدرامية . و لو لم ترتكز المسرحية على السرد اللغوي و التمثيل الصوتي لكان من الممكن للمشاهد أن يفهم القصة في محورها الروحي ، الفكري والإجتماعي المؤثر بالإكتفاء بالإستماع إلى الموسيقى المؤلفة خصيصاً لهذا العمل.
سكب المؤلف الموسيقي الدكتور هتاف خوري من عمق الموسيقى ما تناسب مع عمق القصة والأحداث التي جرت على الخشبة . فبقدر ما كانت المسرحية كلاسيكية بقدر ما جارتها الموسيقى بالتناسب المتاكمل بفارق رونق خاص مضاف على المسرحية لسبب اختلاف التزامن بين دستويفسكي و هتاف خوري ، حيث ارتكز الأخير على قواعد التأليف النغمي المعاصر ، إنما بمباديء كلاسيكية .
ككل أنواع الموسيقى العصرية الراقية و المتخصصة ، جاءت موسيقى هتاف خوري حرة التعبير الصادق متنقلةً بين مدارس التأليف النغمي و مذاهبه حتى شملت قواعد التنغيم الأصيل مسبوكاً مع قواعد اللاقاعدية مثل مذهبي : ألقاعدة الإثني عشرية " الدوديكافونيا " Dodecaphony و التعددية النغمية " بوليتونال " Polytonal . وهذه ميزة كبيرة لا ينطبع بها إلا المؤلفون الموسيقيون المعاصرون المتعلمون الذين اختبروا تنفيذ الكتابة الموسيقية في أرقى المدارس الموسيقية في العالم .
و بالطبع ، كانت لهذه الموسيقى تغيراتها الدينامية المنتاسبة مع تغيرات الأحاسيس البشرية التي خضع لها العمل برمته ، من دستويفسكي إلى طلال درجاني حتى هتاف خوري . و حيث أن الصوت الموسيقي يخضع لحركتين أساسيتين : ألمد و القطع " ليغاتو Legato ، و ستاكاتو Staccato " كانت الموسيقى تعمل بتركيز كامل على استيفاء شروط هذين العاملين الأساسيين في الموسيقى بالإضافة إلى الصوت المتصاعد القوة "كريشيندو " Crescendo و المتهابط القوة " ديكريشندو " Decrescendo و نقيضات القوى الصوتية مثل القوي " فورتي " Forte و ضعيف "بيانو" Piano ، فكانت الجمل الموسيقية تمتد و تتقطع على هوى التعبير الإحساسي للممثلين و لروحية العمل بشكله التام .
أما الصياغة الموسيقية فقد راعت أصول التأليف النصي و الجملي الحر و الصادق في التعبير دون الخروج عن المعنى العام للقصة و أحداثها ، مما يدل على دراسة العمل قبل التأليف له . و لهذا التأليف خصوصياته من ناحيتين : خصوصية التأليف الكلاسيكي المعاصر و خصوصية التأليف الشخصي لهتاف خوري ، و في كلتي الحالتين لا بأس فقد أتى المؤلف الموسيقي بجمالية تدعم العمل المسرحي هذا و تقف معه في أحداث تنفيذه على مر الزمن .
قول ختامي
مسرحية " حلم رجل مضحك " للكاتب الروسي دستويفسكي و من إخراج الدكتور طلال درجاني هي نموذج مسرحي حديث ، فيه من الجديد ما يدل على جدية المخرج في الرؤية و التنفيذ ، و فيه ما يؤكد أهمية العلم و التخصص في التعاطي مع فنون العرض و الأداء و ما تجدر دراسته و الإستفادة منه في تنفيذ الأعمال المسرحية المعاصرة .
========================================================================
ألبروفسور الدكتور سليم سعد
أستاذ في ملاك الجامعة اللبنانية
Dr.Prof. Salim Saad
0961 3 332304 – 0961 5 465200